الزركشي
41
البرهان
أحدها كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الحكمة في تمام الأهلة ونقصانها : معلوم أن كل ما يفعله الله فيه حكمة ظاهرة ، ومصلحة لعباده ، فدعوا السؤال عنه ، وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم ; مما ليس من البر في شئ وأنتم تحسبونها برا . الثاني أنه من باب الاستطراد ; لما ذكر أنها مواقيت للحج ; وكان هذا من أفعالهم في الحج ; ففي الحديث : أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب ; فإن أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ; منه يدخل ويخرج ، أو يتخذ سلما يصعد به . وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء ; فقيل لهم : ليس البر بتحرجكم على من دخول الباب ; لكن البر بر من اتقى ما حرم الله ; وكان من حقهم السؤال عن هذا وتركهم السؤال عن الأهلة . ونظيره في الزيادة على الجواب قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المتوضئ بماء البحر فقال : " هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته " . الثالث أنه من قبيل التمثيل لما هم عليه ; من تعكيسهم في سؤالهم ; وأن مثلهم كمثل من يترك بابا ويدخل من ظهر البيت ; فقيل لهم : ليس البر ما أنتم عليه من تعكيس الأسئلة ; ولكن البر من اتقى ذلك ، ثم قال الله سبحانه : * ( وأتوا البيوت من أبوابها ) * أي باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ، ولا تعكسوا . والمراد أن يصمم القلب على أن جميع أفعال الله حكمة منه ; وأنه * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * فإن في السؤال اتهاما . ومنها قوله سبحانه وتعالى : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد